محمد بن جرير الطبري
215
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
رأيتك تبنى جاهدا في قطيعتي * فلو كنت ذا ارب لهدمت ما تبنى تثير على الباقين مجنى ضغينه * فويل لهم ان مت من شر ما تجنى ! كأني بهم والليت أفضل قولهم * الا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغنى كفرت يدا من منعم لو شكرتها * جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن قال : فلم يزل الوليد مقيما في تلك البرية حتى مات هشام ، فلما كان صبيحة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة ، ارسل إلى أبى الزبير المنذر بن أبي عمرو ، فأتاه فقال له . يا أبا الزبير ، ما أتت على ليله منذ عقلت عقلي أطول من هذه الليلة ، عرضت لي هموم ، وحدثت نفسي فيها بأمور من امر هذا الرجل ، الذي قد أولع بي - يعنى هشاما - فاركب بنا نتنفس ، فركبا ، فسارا ميلين ، ووقف على كثيب ، وجعل يشكو هشاما إذ نظر إلى رهج ، فقال : هؤلاء رسل هشام ، نسأل الله من خيرهم ، إذ بدا رجلان على البريد مقبلان ، أحدهما مولى لأبي محمد السفياني ، والآخر جردبه . فلما قربا أتيا الوليد ، فنزلا يعدوان حتى دنوا منه ، فسلما عليه بالخلافة ، فوجم ، وجعل جردبه يكرر عليه السلام بالخلافة ، فقال : ويحك ! أمات هشام ! قال : نعم ، قال فممن كتابك ؟ قال : من مولاك سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل فقرا الكتاب وانصرفا ، فدعا مولى أبى محمد السفياني فسأله عن كاتبه عياض بن مسلم ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام امر الله فلما صار في حد لا ترجى الحياة لمثله ارسل عياض إلى الخزان ، ان احتفظوا بما في أيديكم ، فلا يصلن أحد منه إلى شيء وافاق هشام افاقه ، فطلب شيئا فمنعوه فقال : أرانا كنا خزانا للوليد ! ومات من ساعته وخرج عياض من السجن ، فختم أبواب الخزائن ، وامر بهشام فانزل عن فرشه ، فما وجدوا له قمقما يسخن له فيه الماء حتى استعاروه ، ولا وجدوا كفنا من الخزائن ، فكفنه غالب مولى هشام ، فكتب